بينما يتولّى الذكاء الاصطناعي السرعة، يفتقر إلى اللمسة البشرية للّغة المعقّدة. ويستكشف هذا المقال لماذا يبقى المترجمون البشريون أساسيين لفهم السياق، وتخفيف التحيّز الخوارزمي، والتقاط الفكاهة الجوهرية.

إذا كنت تفكّر في استبدال فريقك اللغوي بالذكاء الاصطناعي، فقد تودّ تأجيل هذا القرار بعض الوقت. فرغم أنّ تقنية الذكاء الاصطناعي نمت بقفزاتٍ هائلة في السنوات الماضية، إلى حدّ أنّها تجاوزت القدرة البشرية في مجالاتٍ كتشخيص الأمراض وقيادة السيّارات، فإنّها ما زالت تقصّر حين يتعلّق الأمر باللغة. وهذا لا يعني أنّ الذكاء الاصطناعي اللغوي ليس قويًا، بل على العكس تمامًا. فالآلات تستطيع ترجمة وثائق كبيرة فوريًا، وإجراء محادثاتٍ بسيطة، وإنتاج نصوصٍ مكتوبة، والقيام بجملةٍ من الأمور الأخرى التي تيسّر حياتنا اليومية. لكن رغم ذلك، يقول الخبراء إنّ الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في اللغة ما زال بعيد المنال. فالبشر هم أساس اللغة وسيبقون كذلك في المستقبل المنظور، ما يعني أنّ قرارك بالتحوّل الكامل إلى الذكاء الاصطناعي قد يكون سابقًا لأوانه بعض الشيء.

فلماذا يكون البشر بهذه الأهمية في الذكاء الاصطناعي القائم على اللغة؟ وما الذي لم تفتحه الآلات بعد؟ في هذه التدوينة، نناقش الإسهامات التي لا غنى عنها التي يقدّمها البشر للّغة، ولماذا يكون إدراجهم في مشاريعك اللغوية حيويًا لمخرجاتٍ واضحة وعالية الجودة.

1. البشر يفهمون السياق

اللغة ذاتية للغاية، ما يعني أنّ استخدامها قد يتباين من مكانٍ إلى آخر، بل حتى على مستوى الفرد. وكيفية استخدام الكلمات يمكن أن تغيّر معناها الأصلي تغييرًا كبيرًا، فتمنحها عمقًا ومقصدًا جديدَين. والبشر بارعون في التقاط هذه الدقائق لأنّنا نستطيع قراءة الإشارات غير اللفظية والنبرات وغيرها من الفروق الدقيقة لفهم ما يهدف النصّ إلى نقله. أمّا برمجيات الذكاء الاصطناعي، فمتجذّرة إلى حدٍّ بعيد في الواقع الموضوعي، ما يجعلها تتّبع مجموعةً صارمة من القواعد (الفيزيائية أو الرياضية) تحكم اتّخاذها للقرارات.

وهذا الاعتماد على أنظمةٍ بالغة التطوّر مُدرَّبة على كمٍّ هائل من البيانات يجعل الذكاء الاصطناعي بالغ الكفاءة في بعض المهام المحدّدة. لكن لأنّ من الصعب اختزال اللغة في مجموعةٍ صارمة من القواعد، قد يجد المطوّرون صعوبةً في تصميم برامج دقيقة باتّساق. ومن الخطأ القول إنّ اللغات ليست لها قواعد – فكّر في النحو والتصريف – لكنّ هذه القواعد مدفوعةٌ بالعُرف لا بالواقع الموضوعي. وبما أنّ اللغة تتطوّر أيضًا، فإنّ تدريب الذكاء الاصطناعي يمكن تشبيهه بمحاولة تسجيل هدفٍ في مرمًى متحرّك. وإضافةً إلى ذلك، البشر وحدهم يستطيعون فكّ ما إذا كان نصٌّ يبدو طبيعيًا أم لا. فالآلات قد تولّد نصًّا دقيقًا دلاليًا، لكنّه قد يكون آليّ النبرة أكثر من اللازم، ما يجعل النصّ غير فعّال.

لماذا يُعدّ السياق مهمًّا في اللغة؟

حتى وقتٍ قريب، كانت الحواسيب عاجزة عن توليد نصوصٍ متماسكة، لكن بفضل معالجة اللغة الطبيعية (NLP)، المدفوعة بالتعلّم العميق والأنماط الإحصائية، بات ذلك أمرًا شائعًا الآن. ولهذا وجدت تقنية اللغة نجاحًا واسعًا في مساعدة بناء روبوتات الدردشة والمساعدات الصوتية التي تستخدمها يوميًا والتي قد توظّفها في عملك أيضًا. لكنّ دراساتٍ حديثة بيّنت أنّ الآلات قد لا تفهم حقًّا ما تقرؤه أو تكتبه، وهو ما يجعلها أكثر عرضةً للخطأ. وهذه المزالق قد تجعل من الصعب عليك الاعتماد بفاعلية على روبوتات الدردشة للتواصل مع عملائك، إذ يمكنها ارتكاب أخطاءٍ فادحة لا تُضجِر عملاءك فحسب، بل تتسبّب أيضًا في خسارتك للأعمال، لا سيّما إن لم يكن لديك الموظفون لسدّ الثغرة.

ولإثبات ذلك، ابتكر بعض الباحثين اختبارًا لتقييم استدلال أنظمة معالجة اللغة الطبيعية باستخدام 44,000 سؤالٍ مجمَّعة في أزواجٍ متطابقة من الجمل، باستثناء كلمةٍ واحدة معكوسة (كلمة محفِّزة) تمنح الجمل معانيَ مختلفة. فمثلًا:

  • رفض أعضاء مجلس البلدة منح المتظاهرين تصريحًا لأنّهم خشوا العنف.
  • رفض أعضاء مجلس البلدة منح المتظاهرين تصريحًا لأنّهم دعوا إلى العنف.

للجملتَين معنيان متباينان، وكان على الآلات أن تقرّر من هو الفاعل في كلّ حالة. ففي الحالة الأولى كانوا أعضاء المجلس، وفي الثانية المتظاهرين. وأظهرت النتائج أنّ حتى أحدث النماذج لم تجتَز الاختبار، بدرجاتٍ تراوحت بين 59.4% و79.1%، مقارنةً بالأشخاص الذين سجّلوا متوسّطًا قدره 94%. وتبيّن هذه النتائج أنّ الآلات ليست بعدُ على درايةٍ بالسياق كما ينطبق على اللغة.

أهمية السياق في الترجمة

الترجمة أرضٌ أكثر هشاشةً للذكاء الاصطناعي اللغوي. فرغم أنّ بعض المواقف قد تجعل استخدام الآلات ملائمًا، كترجمة الأدلّة الطويلة حيث المجال ضئيلٌ للأخطاء، فإنّه ما زال يقصّر في سيناريوهاتٍ أخرى. فإذا كانت نصوصك الأصلية تتضمّن عامّية أو لهجاتٍ محلّية، فقد تعجز الآلات عن ترجمتها بدقّة. كذلك، حين يلزم التقيّد ببعض الأعراف الثقافية في الترجمة، تجد الآلات نفسها عاجزة. فمثلًا، في ألمانيا واليابان، ينبغي استخدام اللغة الرسمية فقط في سيناريوهات الأعمال، وهو فارقٌ دقيق قد تعجز الآلات عن التقاطه. وللتغلّب على هذه العقبة، يوظّف معظم مزوّدي الخدمات اللغوية الآلات للمرحلة الأولى من الترجمة، ثمّ يستعينون أخيرًا بخبراء اللغة لتصحيح أي أخطاء، في نظامٍ يُشار إليه بالتحرير اللاحق للترجمة الآلية (MTPE). وبهذه الطريقة تكون الترجمة أسرع بأخطاءَ ضئيلة.

2. الذكاء الاصطناعي متحيّز

رغم أنّ معالجة اللغة الطبيعية ترسّخت في الماضي القريب، فإنّها كشفت أنّ خوارزميات اللغة تميل نحو استجاباتٍ متحيّزة. فقد بيّنت دراسةٌ أُجرِيت على نموذجٍ لغوي (GPT-3) أنّه أعاد استجاباتٍ أظهرت تحيّزًا بين الجنسين.

غُذِّي البرنامج بجملٍ تمهيدية كـ:

  • كان شديد الـ...
  • يمكن وصفه بأنّه...

ثمّ حُلِّلت النصوص التنبّؤية المُولَّدة لإظهار الصفات والظروف الشائعة المختارة للجنسين. وأظهرت النتائج أنّ البرنامج اختار كلماتٍ تصف مظهر الأنثى («صغيرة»، «فاتنة»)، فيما أعاد للرجال مصطلحاتٍ أعمّ كـ«ضخم» أو «محبوب».

ووجود التحيّز في الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، لا بين الجنسين فحسب، بل في العِرق أيضًا. ومؤخرًا، تعرّض صانعو برمجيات التعرّف على الوجوه للانتقاد لإنشائهم خوارزمياتٍ أخفقت في تسجيل الوجوه غير البيضاء. وفي هاتَين الحالتَين، لا تُلام الآلات. فالمخرجات تُولَّد نتيجة البيانات المُغذّاة في النظام، التي تعكس الأحكام المسبقة الموجودة في التفاعلات البشرية.

تخفيف التحيّزات في الذكاء الاصطناعي القائم على اللغة

بيّنت الأبحاث أنّ الآلات لا تستطيع كشف التحيّزات، ولا إظهار سبب ضررها أو كيفيته. ولهذا يلزم إبقاء البشر في حلقة تعلّم الآلة إن كان ثمّة أملٌ في تقليل الأحكام المسبقة في برمجيات اللغة.

وبما أنّ تقنياتٍ كـ GPT-3 وغيرها من روبوتات اللغة تُستخدَم في سيناريوهاتٍ واقعية، فقد يكون لها آثارٌ واسعة على رفاه الناس في المجتمع. وتحليل التحيّز في الذكاء الاصطناعي ليس موجَّهًا نحو إتقان المنتج النهائي فحسب، بل يتعلّق أيضًا بتخفيف الضرر الذي قد يعانيه أناسٌ حقيقيون على يد تقنيةٍ متحيّزة. ولأنّ اللغة بناءٌ بشري، فإنّ البشر وحدهم يملكون القدرة على إحداث التغيير الذي يمكن أن يدفع المجتمع نحو مستقبلٍ أكثر تسامحًا وإنصافًا وتقبّلًا. كذلك، لأنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي أظهرت ميلها نحو نشر الأخبار الزائفة وتوليد لغةٍ سامّة، وهو ما قد يؤثّر في أحداثٍ فعلية، يجب إشراك البشر لضمان استخدامها على نحوٍ مسؤول.

3. الآلات تفتقر إلى حسّ الفكاهة

كان تبنّي الشبكات العصبية مكان الأنظمة الإحصائية القائمة على العبارات إحدى نقاط التحوّل الكبرى للترجمة الآلية. وقد أفضى إلى تحسّنٍ عامّ في جودة الترجمة وسرعتها. غير أنّ الترجمة الآلية العصبية تتطلّب مجموعات بياناتٍ أكبر من سابقاتها لتعمل على نحوٍ سليم. لكنّ النصوص الثنائية اللغة الكبيرة الوحيدة المتاحة هي من الوثائق الرسمية والنصوص الدينية التي تستخدم لغةً جافّة ومباشرة وإجرائية تفتقر إلى التلاعب بالألفاظ، والإشارات الثقافية الدقيقة، والتوريات. وخوارزميات اللغة القائمة على هذه النصوص يصعب نتيجةً لذلك استخدامها في المواقف التي تُستخدَم فيها لغةٌ عامّية للغاية.

والتقاط النكات والتلميحات تحدٍّ حتى للمترجمين البشريين، لكنّهم يستطيعون الاعتماد على دعائمَ أخرى كلغة الجسد أو المقصد لاستخلاص المعنى المقصود. وهذا الإنجاز ذاته مستحيلٌ حاليًا على الآلات. فحين تواجه نصًّا لا تتعرّف عليه، مثلًا، قدّمت «ترجمة جوجل» ترجماتٍ غير ذات صلة، وهو خطأٌ عزاه الخبراء إلى تفضيل الآلة الطلاقة على الدقّة.

واستبدال النصوص على يد الآلات يمكن أن تترتّب عليه عواقبُ بعيدة المدى في حال أُلقِي اللوم في خطاب الترجمة على النصّ الأصلي بدلًا من خللٍ في برمجية الترجمة.

البشر يردمون الفجوة في خوارزميات اللغة

أكبر أوجه قصور النماذج اللغوية أنّها مُدرَّبة حصرًا على نصوصٍ لا أساس لها في العالم الواقعي. فما تعرفه يستند فقط إلى النصوص التي دُرِّبت عليها. ويمكنك إجراء حوارٍ بسيط ذهابًا وإيابًا مع مساعداتٍ كـ«أليكسا» و«سيري» لأنّ تفاعلاتك تستند إلى مجموعةٍ ضيّقة من الشروط، بمفرداتٍ محدودة وفي بيئةٍ مضبوطة. لكن تكليفها بمهمّةٍ كتفسير الكلام المباشر يضيف طبقاتٍ جديدة من التعقيد قد تخفق معظم البرامج في تجاوزها.

ورغم أنّ ثمّة جدلًا كثيرًا حول ما إذا كانت الآلات تستطيع استنباط المعنى من النصّ الخالص – ويميل معظم الخبراء إلى أنّها لا تستطيع – فإنّ أمرًا واحدًا واضح: إشراك البشر في اللغة لا يمكن التشكيك فيه. فللمسؤولية الأخلاقية، وكذلك لسلامة المخرجات، ما زالت النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي تتطلّب إشرافًا بشريًا مكثّفًا.

هل أنت مستعدّ لاستخلاص أقصى استفادةٍ من الذكاءَين الاصطناعي والبشري؟ اكتشف المزيد عن حلول ترجمة (Tarjama) اللغوية المدعومة بالإبداع البشري وسرعة الذكاء الاصطناعي.

— بقلم مروان عبد العزيز

استكشف خدمات ترجمة ذات صلة: خدمات الترجمة، الترجمة الآلية بالذكاء الاصطناعي، وخدمات الترجمة الفورية. وقد يهمّك أيضًا مقالنا ترجمة تتصدر تقنيات اللغة عالميا وأقليميا.