يعتمد النجاح العالمي في الألعاب على الانغماس الثقافي، لا على الترجمة وحدها. ويفصّل هذا الدليل الجوانب الأدبية والتقنية والبرمجية الأساسية اللازمة لتهيئة لعبتك لجمهورٍ عالمي.
ترجمة لعبتك جزءٌ حيوي من الوصول إلى مستخدمين متنوّعين. ففي نهاية المطاف، التواصل مع جمهورك هو الخطوة الأولى لمخاطبته حول العالم. وحين نتحدّث عن بناء قاعدة لاعبين عالمية وفية، لا تكفي الترجمة البسيطة. وهنا يأتي دور توطين الألعاب.
توطين الألعاب، كما يوحي الاسم، هو تكييف اللعبة وتحسينها لثقافةٍ مختلفة. فهو يعني أنّ محتواك «محلّي». وتتجاوز هذه العملية مجرّد ترجمة حوارات اللعبة إلى لغةٍ أخرى. غير أنّ ثمّة فرقًا بين الترجمة والتوطين: فبالترجمة، يمكنك أن «تتحدّث» إلى جمهورك في كلّ أنحاء العالم، أمّا التوطين فيتيح لك أن «تُتبِع القول بالفعل».
ولأجل ممارسةٍ بهذه الأهمية، تحتاج إلى العمل مع مزوّدي خدماتٍ لغوية متمرّسين يأخذون تفاصيل لعبتك المهمّة بالحسبان. فإلى جانب الخبرة اللغوية، يحتاج مترجمو الألعاب أيضًا إلى فهم الأقواس السردية، وآليات اللعب، وعملية التطوير.
في هذا المقال، ستجد دليلًا مفصّلًا يساعدك على الاستعداد لتوطين الألعاب. لنبدأ بجوانب توطين الألعاب، ثمّ نتابع بالدليل نفسه.
- الجانب الأدبي: لكي يترجم المترجمون على نحوٍ سليم، يحتاجون إلى فهم البنية السردية للّعبة، إضافةً إلى الخلفيات القصصية للشخصيات ودوافعها. فكثيرًا ما تشير الألعاب إلى محفّزاتٍ من الكتب والتاريخ والأساطير، على غرار الأدب، وأحيانًا تعثر الشخصيات على أدلّةٍ في قصائدَ أو كتبٍ داخل اللعبة.
- الجانب التقني: على خلاف الكتب، تتطلّب الألعاب تعليماتٍ إرشادية. فالأدلّة التعليمية للألعاب وأدلّة العتاد تحتاج إلى توطين، ويُستحسَن أن يتولّاه شخصٌ يفهم آليات اللعبة، أي المترجم نفسه الذي يجري التوطين داخل اللعبة.
- الجانب البرمجي: عملية توطين الألعاب هي الأشبه بتوطين البرمجيات. فهي تتضمّن اختبارًا مكثّفًا، وواجهة مستخدمٍ متجاوبة، ونصًّا منظَّمًا حول المتغيّرات وحدود الحروف.
- الجانب التسويقي: في كثيرٍ من الحالات، يتولّى فريق التوطين نفسه الذي عمل على اللعبة ترجمة نصوص متجر التطبيقات، والموادّ التسويقية، بل ومحتوى منصّات التواصل الاجتماعي. ولتوطين هذه الموادّ بنجاح، لا بدّ أن يكونوا قادرين على تكييف المحتوى مع الأعراف المحلّية والفروق الثقافية الدقيقة.
الاستعداد لتوطين الألعاب: دليلٌ إرشادي
ضع خطة توطينٍ مسبقًا
مع تطوّر ألعاب الفيديو، تطوّرت متطلّبات توطينها أيضًا. فعلى عكس ألعاب الفيديو الأولى، التي كانت بسيطة التصميم وتتضمّن نصوصًا قليلة، قد تتضمّن الألعاب الحديثة كمياتٍ هائلة من النصوص، إضافةً إلى عناصرَ رسومية وسينمائية وصوتية مصمَّمة ببراعة ينبغي توطينها أيضًا.
ويتطلّب توطين الألعاب نطاقًا واسعًا من المهارات مقارنةً بسائر تخصّصات الترجمة. فالنصّ داخل اللعبة قد يكتبه المطوّرون أو يبتكره كتّاب قصصٍ متمرّسون، وقد يتمّ ذلك قبل أشهرٍ أو سنوات من اكتمال اللعبة، ناهيك عن نشرها.
ولمّا كانت الأنواع المختلفة تتباين تباينًا كبيرًا فيما بينها، وهو ما يؤثّر في التوطين، فإنّ خصائص الأنواع الفردية ومشكلاتها المحدّدة مهمّة. ويشمل التوطين عددًا كبيرًا من الجوانب الأخرى، منها ترجمة الأصول المُوطَّنة ودمجها واختبارها.
حلّل محتواك
قبل بدء عملية التوطين، ينبغي لك تحليل لعبتك وتحديد العناصر التي ستُوطَّن. فلعبة الفيديو تتألّف من عددٍ كبير من المكوّنات المختلفة التي يجب أن تأخذها بالحسبان أثناء التوطين، إذ قد تتطلّب أساليب توطينٍ مختلفة. ويشمل ذلك النصّ داخل اللعبة، أي النصّ الذي يظهر أثناء اللعب، والرسوميات التي قد تتضمّن نصًّا، والحوارات، والمشاهد السينمائية، إضافةً إلى الموادّ المطبوعة كالتعليمات والتغليف.
كما ينبغي لك تحديد اللغات التي ستُوطَّن لعبتك إليها. وعادةً ما يوطّن كثيرٌ من المطوّرين ألعابهم بستّ إلى ثماني لغات، تشمل في الغالب الفرنسية والألمانية، تليهما الإيطالية والإسبانية. وكثيرًا ما يُشار إلى هذه اللغات الأربع بـ FIGS. وتُعدّ الإنجليزية واليابانية أهمّ اللغات المصدر إلى حدٍّ بعيد. أمّا أكبر أسواق المبيعات فهي أمريكا الشمالية واليابان وأوروبا الغربية. لكنّ أوروبا الشرقية وجنوب آسيا، ولا سيّما كوريا والصين، اكتسبت أيضًا أهميةً كبيرة.
ويعتمد الجهد الذي ستبذله في التوطين على ما إذا كان هذا التحليل قد أُجرِي أصلًا أثناء التطوير أم لا. ولذلك، فإنّ تصميم المكوّنات الفردية على نحوٍ يجعل عملية التوطين أيسر وأسرع يتطلّب تحليلًا عميقًا.
وفّر حزمة توطين (Lockit)
حزمة التوطين (Lockit – Localization Kit) هي الدليل الأساسي الذي ينبغي لك تزويد مترجمك به. فثمّة خصائص توطينٍ معيّنة لألعاب الفيديو، كوجود مساحةٍ محدودة، ما يعني أنّ النصّ يجب ألّا يتجاوز طولًا معيّنًا، وإلّا تعذّر عرضه على نحوٍ صحيح.
وتختلف أشكال النصّ عن سائر مجالات الترجمة ولها قيود. وعادةً ما يتلقّى المترجم النصّ المراد ترجمته في صيغةٍ جدولية. وعادةً ما يتضمّن سطرٌ من هذا الجدول أسماءً للأعمدة. وتشمل الأعمدة النصّ المصدر، ومساحةً للترجمة، ومعلوماتٍ سياقية.
غير أنّ الخلايا المتجاورة في سطرٍ ما قد لا تتطابق في السياق. فإذا لم تزوّد المترجم بمعلوماتٍ كافية، أو لم تأخذ جوانب اللغة الهدف بالحسبان عند إنشاء الجدول، اضطرّ المترجمون إلى الاكتفاء بحلولٍ مؤقّتة، كترجمة جميع الأعمدة بالجنس ذاته والعدد ذاته، مثلًا. وهذا يفضي إلى لغةٍ مصطنَعة غير طبيعية يشوبها القصور وأخطاء التركيب والنحو.
وهذا عائقٌ كبير، إذ يعني أنّ المترجمين مضطرّون إلى العمل دون سياقٍ كافٍ، ما يعني تكرّر الأخطاء بمعدّلٍ أعلى، واستغراق اختبار اللغة وقتًا أطول.
استخدم نظام إدارة ترجمة
يؤدّي توظيف التقنية دورًا مهمًّا في التوطين. وينبغي أن تكون لديك ولدى مزوّد خدماتك اللغوية أُلفةٌ بتقنية الترجمة واستعدادٌ للعمل مع حلولٍ برمجية وعتادية متنوّعة، فهما شرطان لبلوغ توطين ألعابٍ ناجح.
ويُعدّ استخدام أنظمة ذاكرة الترجمة في توطين الألعاب مفيدًا بوجهٍ خاصّ، لأنّك تحتاج إلى توطين أكوادك (الشِّفرات البرمجية) أيضًا. فهذه الأكواد تحتاج إلى دمجها في نظام إدارة ترجمةٍ ببعض الأدوات. ثمّ يستطيع مترجمك العمل على النصوص المستخرَجة من أكوادك المُوطَّنة.
كما تسرّع أنظمة إدارة الترجمة العملية بأكملها. فمن الناحية النظرية، يمكن إكمال النصّ داخل اللعبة قبل سنتَين أو ثلاث أو حتى أربع سنوات من إطلاق لعبة الفيديو، ما يترك متّسعًا من الوقت للتفكير والتوطين. لكن من الناحية العملية، فإنّ التوطين، وهو المرحلة الأخيرة من تطوير اللعبة، تكتنفه مواعيد نهائية ضيّقة.
وتحتاج فِرق الترجمة إلى الإسراع لمواكبة تغييرات اللحظة الأخيرة، وتحديثات البرمجيات، ومحتوى اللعبة الجديد. ويوفّر نظام إدارة الترجمة منصّةً يمكنهم التعاون فيها في آنٍ واحد في مثل هذه السيناريوهات. كما تتيح المنصّة مسارات عملٍ رشيقة (Agile) بين اللغويين. وتقسّم هذه المنهجية المشروع إلى مهام صغيرة وتبقيها متحرّكةً باستمرارٍ بين أعضاء الفريق. وتمكّن المترجمين من تحرير كمياتٍ أصغر من النصّ في وقتٍ أبكر بدلًا من انتظار انتهاء عملية التطوير. وهذا يدفع المشروع بأكمله إلى الأمام بسرعةٍ أكبر دون عجلةٍ للوفاء بالمواعيد النهائية الضيّقة.
انتبه إلى الاختلافات الإقليمية
بما أنّ وجود عددٍ كبير من أنواع النصوص والأساليب اللغوية المختلفة أمرٌ معتاد في توطين ألعاب الفيديو، فمن المهمّ أن يكون فريق توطينك قادرًا على تكييف أسلوبه بعنايةٍ مع شخصيات اللعبة ومواقفها المختلفة، آخذًا بالحسبان الاختلافات بين المناطق والثقافات واللغات والأديان واللوائح.
وكما ذكرنا في البداية، التوطين أكثر من الترجمة. ومصطلح «الترجمة الإبداعية» (Transcreation) يصوّر الممارسة على أفضل وجه. فهي مزيجٌ معقّد من الترجمة والابتكار، ويتجلّى ذلك بأوضح صوره في توطين النصّ. وعلى وجه الخصوص، تتطلّب التوريات وغيرها من العناصر الفكاهية حلولًا مبتكَرة من المترجم. كما تتضمّن كثيرٌ من الألعاب ألغازًا قائمة على التلاعب بالألفاظ، ولذلك لا يمكن نقلها مباشرةً، بل يجب إعادة ابتكارها.
والكلمات التي تبدو بريئة قد تحمل معانيَ محرِجة حين تُترجَم إلى لغاتٍ أو لهجاتٍ أخرى. فمثلًا، تعني كلمة «currar» في الإسبانية «العمل». أمّا في الأرجنتين، فتعني «الغشّ». وعند توطين لعبتك والاستعداد لخوض أسواقٍ جديدة، من المهمّ حقًّا أن تأخذ وقتك لفهم هذه التعقيدات الثقافية والاتجاهات والمحرّمات. فهذا لا يتجنّب سوء الفهم البسيط أو العقوبات القانونية فحسب، بل يساعدك أيضًا على بناء الثقة والولاء مع عملائك الجدد.
وتتأثّر ألعاب الفيديو تأثّرًا قويًا بالثقافة، ولذلك تتطلّب معرفةً واسعة بجوانبَ متنوّعة من الثقافتَين الهدف والمصدر معًا. وقد يوصي المترجمون بتكييفاتٍ ثقافية للنصوص. وبوصفهم متخصّصين، يمكنهم أيضًا اقتراح تعديل جميع العناصر، كالرسوميات والصوت بل والحركة، شريطة أن تحسّن التوطين.
وهذه التعديلات الموجَّهة للسوق المستهدَفة لا تخدم تقريب عالمك الافتراضي من اللاعب في البلد المعنيّ فحسب، بل تجعل لعبتك ملائمةً ثقافيًا وقانونيًا أيضًا. فالمحتوى غير الملائم يؤثّر في التصنيف العمري في بعض البلدان. وقد تُحظَر لعبتك أيضًا إذا لم تُستوفَ المتطلّبات القانونية الإقليمية.
ومزوّدو الخدمات اللغوية المتمرّسون ملمّون بلوائح أهمّ اللغات المستهدَفة، ويمكنهم تكييف الألعاب مع الوضع القانوني بصورةٍ مستقلّة عند الحاجة. أمّا مطوّروك أو مصمّمو الرسوميات، فهم المسؤولون عن إجراء التغييرات الجوهرية في عناصر اللعبة، كالحبكة والرسوميات.
نحن في ترجمة (Tarjama) نعمل مع لغويين خبراء ونقدّم خدماتٍ مصمَّمة خصيصًا لجعل أي تحوّلٍ تريده أيسر ما يمكن بالنسبة إليك. وسواء أكان الأمر توطينًا أم كتابة محتوى أم إنشاء محتوى، فنحن واثقون من قدرتنا على مساعدتك بأكثر الطرق فاعلية. تواصل معنا واكتشف المزيد عن خدماتنا!
— بقلم مروان عبد العزيز