ذاكرة الترجمة ميزةٌ تُحدِث نقلةً نوعية في إدارة الترجمة الحديثة. ويستكشف هذا الدليل كيف يؤدّي تخزين المقاطع المترجَمة سابقًا إلى تعبئة المشاريع المستقبلية تلقائيًا، بما يضمن جودةً متّسقة وتوفيرًا هائلًا في الوقت والجهد.
لدى معظم الشركات الساعية إلى تبسيط عبء الترجمة لديها فكرةٌ مبهمة بأنّ الانتقال إلى حلٍّ رقمي كنظام إدارة الترجمة (TMS) قد يساعدها على بلوغ نتائجَ أسرع، لكنّها قد لا تدرك حجم الأثر الذي يمكن أن يُحدِثه. ومع ازدياد تطوّر حلول إدارة الترجمة في السنوات الأخيرة، بدأت تقدّم ميزاتٍ جديدة تيسّر حياة المترجمين والمحرّرين على حدٍّ سواء، ما يوفّر على الشركات في نهاية المطاف الوقت والمال معًا في مشاريع الترجمة واسعة النطاق. ومن هذه الميزات التي برزت مفضّلةً في القطاع في السنوات الأخيرة ذاكرةُ الترجمة. وفيما يلي كلّ ما تحتاج معرفته عن كيفية مساعدة ذاكرة الترجمة لك على بلوغ أوقات إنجازٍ أسرع في مشاريع ترجمتك بالجملة.
ذاكرة الترجمة ميزةٌ في نظام إدارة الترجمة، يخزّن النظام بموجبها الترجمات المُنجَزة سابقًا للعبارات أو الجمل، فإذا ظهرت العبارة أو الجملة نفسها في النصّ المصدر لترجمةٍ مستقبلية، عبّأ النظام الترجمة باللغة الهدف تلقائيًا. وإذا بدا ذلك معقّدًا، فتخيّل مترجمًا بشريًا ينسخ ويلصق فعليًا أجزاءً من مستندٍ متطابقة فيما بينها؛ هذا ما تقدّمه ذاكرة الترجمة، لكنّ العملية بأكملها مؤتمَتة وفورية، وتنزع العمل اليدوي عن كاهل المترجم.
وتبعًا لنظام إدارة الترجمة المستخدَم، قد تكون ذاكرة الترجمة مُضمَّنة أصلًا كميزةٍ في النظام، أو يمكن إدماجها كإضافةٍ عبر دمج برمجية ذاكرة ترجمةٍ منفصلة في النظام.
وقبل أن نخوض في كيفية عمل ذاكرة الترجمة، من الأفضل تعريف بضعة مصطلحات أولًا. تُقسَّم الترجمات المُجراة باستخدام نظام إدارة الترجمة إلى مقاطع، قد تتراوح بين عباراتٍ أو جملٍ إلى فقراتٍ كاملة (وإن كان لا يُوصى بالأخير غالبًا). وهذا يعني أنّ النصّ المصدر، عند رفعه إلى النظام، يُرفَع مقسَّمًا إلى أجزاءٍ أصغر.
وتطابق أنظمة إدارة الترجمة التي تقدّم أدوات ذاكرة الترجمة المقاطعَ المترجَمة سابقًا مع مقاطعَ من النصّ المصدر الجديد: فالمقاطع المتطابقة تطابقًا تامًا فيما بينها تُسمّى تطابقًا تامًا (Exact match)، أمّا المقاطع المتشابهة لكن غير المتطابقة – عمومًا بنسبةٍ تتراوح بين 70% و99% – فتُسمّى تطابقًا تقريبيًا (Fuzzy match). وكما يمكنك أن تتصوّر، تعتمد نسبة التطابق التقريبي على مدى تشابه المقطعَين؛ فإذا كان محتوى مقطعَين متطابقًا غير أنّ أحدهما يستخدم نقطةً والآخر علامة تعجّب في النهاية، اعتبرت قاعدة بيانات ذاكرة الترجمة ذلك تطابقًا تقريبيًا.
كيف تعمل؟
لنفترض أنّك شركةٌ بدأت للتوّ استخدام أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب (CAT) – وهي فئةٌ فرعية من أنظمة إدارة الترجمة – للتعامل مع عبء الترجمة لديك. فبتفعيل ذاكرة الترجمة، يمكنك تخزين عباراتٍ أو جملٍ معيّنة (كشعار شركتك، مثلًا، أو رسالةٍ من الرئيس التنفيذي) في نظام الترجمة بمساعدة الحاسوب الذي تستخدمه. وفي المرّة التالية التي يستخدم فيها مترجمك النظام لترجمةٍ ما، سيمسح النظام مقاطع الترجمة الجديدة ليرى ما إذا كان أيٌّ منها يطابق أي ترجماتٍ مخزَّنة في قاعدة البيانات.
وبالعودة إلى مثالنا أعلاه، سيستدعي النظام على الأرجح شعار شركتك بوصفه تطابقًا تامًا، شريطة أن يطابق المقطع ما هو مخزَّن في قاعدة بيانات ذاكرة الترجمة تطابقًا تامًا (أي أن تكون علامات الترقيم والإملاء متطابقة). أمّا في حالة الرسالة من الرئيس التنفيذي، فقد يستدعي النظام تطابقًا تقريبيًا إذا لم تطابق الرسالة في النصّ المصدر الجديد الترجمة المخزَّنة تطابقًا تامًا (مثلًا، إذا كرّر بعض العبارات، لكنّ الرسالة ليست نسخةً حرفية من سابقتها). وفي حالة التطابق التقريبي، سيتعيّن على المترجم مراجعة المقطع الهدف المُعبَّأ تلقائيًا وتحريره وفقًا لذلك لضمان أنّه ترجمةٌ دقيقة لما في النصّ المصدر.
كما تقدّم بعض أنظمة الترجمة بمساعدة الحاسوب تطابقًا بنسبة 101%، أو ما يُعرَف بالتطابق السياقي (Context match). ويحدث هذا حين يتضمّن النصّ المصدر الجديد لا مقطعًا واحدًا مطابقًا لترجمةٍ سابقة في ذاكرة الترجمة فحسب، بل تكون المقاطع المحيطة به تطابقاتٍ تامّة أيضًا، ما يدلّ على أنّ الترجمة الجديدة مشابهة في السياق للقديمة.
كما تتيح معظم أنظمة الترجمة بمساعدة الحاسوب من الجيل الجديد للعملاء تخزين قواعد بياناتٍ متعدّدة لذاكرة الترجمة، وهو أمرٌ مفيد للشركات التي تعمل بانتظامٍ مع أزواج لغاتٍ أو موضوعاتٍ متعدّدة.
كيف تساعد ذاكرة الترجمة؟
1. توفّر الوقت والمال
أعظم فائدةٍ لاستخدام ذاكرة الترجمة في مشاريعك أنّها تلغي الحاجة إلى المهام المتكرّرة، كإعادة ترجمة الكلمات أو العبارات نفسها عبر مستنداتٍ متعدّدة. وهذا بدوره يوفّر على الشركات قدرًا كبيرًا من الوقت والمال في مشاريع الترجمة.
2. تحسّن جودة الترجمات المستقبلية
ومن الأمور الرائعة الأخرى في ذاكرة الترجمة أنّها قابلة للتحسين بمرور الوقت، فكلّما زاد استخدام هذه الميزة، زادت فرصة إمكانية تعبئة نسبةٍ أعلى من الترجمات المستقبلية تلقائيًا.
3. ترسّخ الاتّساق في الترجمات
كما يتيح استخدام ذاكرة الترجمة للشركات بلوغ الاتّساق في ترجماتها، في اللحظة الراهنة وعلى المدى الطويل معًا. فحتى إذا بدأت العمل مع مترجمٍ جديد – أو ربما فريق مترجمين، تبعًا لعبء العمل – ستبقى العبارات والجمل المخزَّنة في قاعدة بيانات ذاكرة الترجمة متّسقةً في الترجمات المستقبلية.
ذاكرة الترجمة مقابل الترجمة الآلية
بما أنّ ذاكرة الترجمة تستخدم قاعدة بياناتٍ قابلة للتحسين بمرور الوقت، فمن السهل الخلط بينها وبين الترجمة الآلية، بل إنّ اختصارَيهما متشابهان، إذ كثيرًا ما يُشار إلى ذاكرة الترجمة بـTM وإلى الترجمة الآلية بـMT!
والواقع أنّ ذاكرة الترجمة تعمل على نحوٍ مشابه لمحرّك ترجمةٍ آلية مخصّص، من حيث إنّها تستخدم بياناتٍ خاصّة بالقطاع، بل وخاصّة بالعميل أحيانًا. غير أنّ فارقًا كبيرًا يتمثّل في أنّ ذاكرة الترجمة انتقائية، إذ لا تترجم سوى المقاطع المطابقة لاستعلاماتٍ سابقة. كما أنّ ذاكرة الترجمة تعتمد في نهاية المطاف على عملٍ سابق أنجزه المترجم، ما يعني أنّ البيانات تأتي من مصدرٍ واحد ذي خبرةٍ في الموضوع.
أمّا الترجمة الآلية، فتوظّف قوّة الذكاء الاصطناعي لترجمة المحتوى بأكمله استنادًا إلى البيانات المتاحة في قاعدة بياناتها. ونطاقها أوسع بكثير من قاعدة بيانات ذاكرة الترجمة، لكنّ الترجمات المُجراة بمحرّكات الترجمة الآلية كثيرًا ما تفتقر إلى دقّة مقاطع ذاكرة الترجمة التي راجعها مترجمٌ وتحديدها.
ولا بدّ من القول هنا إنّ محرّكات الترجمة الآلية ليست جميعها سواء. فالسبب الذي يجعل الناس كثيرًا ما يُحجِمون عن استخدام الترجمة الآلية هو أنّ قواعد بيانات المحرّكات العامّة كـ«ترجمة جوجل» مُستمَدّة من حشد الجمهور، ما يعني أنّ بإمكان أي شخصٍ تقريبًا اقتراح ترجمات. والاعتماد على محرّكٍ مجاني كهذا لتبسيط الترجمات يأتي على الأرجح بنتائجَ عكسية، إذ كثيرًا ما تكون الترجمات الناتجة مليئة بالأخطاء وبعيدة كلّ البعد عن سياق النصّ المصدر، وهو ليس بالعامل المعزّز للثقة لأي شركةٍ تتطلّع إلى الحصول على ترجماتٍ عالية الجودة. والأدهى أنّ هذه المحرّكات، لأنّها مُستمَدّة من حشد الجمهور، كثيرًا ما تكون عُرضةً لاختراقات البيانات؛ فإذا كنت تستخدمها لترجمة نصوصٍ تتضمّن معلوماتٍ حسّاسة عن الشركة، فأنت تجازف دائمًا بمشاركة تلك المعلومات مع مخترِقين محتمَلين.
والخيار الأذكى بكثير هو اعتماد محرّك ترجمةٍ آلية مملوك مبنيٍّ باستخدام قاعدة بياناتٍ من الترجمات الخاصّة بالقطاع. وعلاوةً على ذلك، تأتي هذه الأنواع من المحرّكات بميزات خصوصيةٍ قوية لحماية بياناتك. وإذا كنت مستعدًّا للارتقاء بمشاريع ترجمتك إلى مستوى أعلى عبر توظيف ذاكرة الترجمة، فتواصل معنا لاكتشاف حلّ ترجمة الأنسب لشركتك.
— بقلم مروان عبد العزيز